لم تكن البشرية لتتمكن من تحقيق أي شيء بدون النار، وكان اكتشافها هو الإنجاز التكنولوجي الرئيسي في تاريخ الحضارة بأكمله. ولكن متى بالضبط بدأ الناس في استخدامه لأول مرة؟ تتحدث بوابة arstechnica.com عن عمل علمي وجد الإجابة – في وقت أبكر بكثير مما كنا نعتقد.

يعد موقع التنقيب في بارنام بإنجلترا جزءًا من حفرة طينية مهجورة حيث عثر العمال لأول مرة على أدوات حجرية في أوائل القرن العشرين. ولكن قبل 400 ألف سنة، لا بد أنها كانت تبدو مختلفة: مكان شاعري بجوار بركة يتدفق فيها نهر صغير، وتحيط به الغابات والحقول. لا توجد جماجم لأشباه البشر في المنطقة، لكن علماء الآثار عثروا على جمجمة إنسان نياندرتال على بعد 100 كيلومتر جنوب بارنام. وهذا يعني على الأرجح أن هذا المكان كان ذات يوم محطة توقف هادئة نسبيًا لإنسان نياندرتال.
وبحسب علماء الآثار، فإن مركز هذا الموقع عبارة عن موقد بحجم نار صغيرة. واليوم، لا يذكرنا بها سوى رقعة من رواسب الطين الأحمر الناري، وهي تبرز مقابل الطين الأصفر في مناطق أخرى من الموقع. عندما أشعلت المواقد القديمة، قامت النار بتسخين الطين الأصفر المشبع بالحديد، مما أدى إلى تكوين قطع صغيرة من الهيماتيت، مما أعطى الطين المحروق لونه الأحمر.
وهناك، بين الطين، عثر العلماء على قطعتين صغيرتين من معدن الكبريتيد اللامع – البيريت، الذي كان أهم أداة في العصر الحجري. قبل أن يتعلم الناس ضرب الصوان على الصوان لإحداث الشرر، كانوا يطرقون الصوان والبيريت. لذلك، تظهر النتائج التي توصل إليها علماء الآثار أن إنسان النياندرتال بنى وأشعل النيران قبل 400 ألف سنة.
على الرغم من أن إشعال النار اليوم ليس بالأمر المعقد، إلا أنه في الماضي البعيد كان يتطلب تكنولوجيا متقدمة للغاية. كان اكتشاف النار وتقنيات التحكم في حجمها ودرجة حرارتها بمثابة إنجاز مهد الطريق لكل التقنيات الأخرى تقريبًا. الأدوات الحجرية، والطبخ، والمعادن، وحتى المعالجات الدقيقة أو صواريخ البضائع الثقيلة.
بالإضافة إلى ذلك، تمنح النار أيضًا الناس شيئًا فريدًا – المزيد من الوقت. كانت المواقد بمثابة أماكن اجتماعية حيث يمكن للناس القدماء الاختلاط بالآخرين بعد حلول الظلام. ومنهم، طور أسلافنا اللغة والأساطير، والتي لعبت بدورها دورًا مهمًا في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية عبر مسافات طويلة أو في مجموعات اجتماعية معقدة.
لهذه الأسباب، حاول علماء الآثار منذ فترة طويلة معرفة متى حدث هذا الاكتشاف بالضبط، ويتفق الكثيرون على أن النار تم اكتشافها في أوقات مختلفة في أجزاء مختلفة من العالم. المشكلة هي أن العثور على دليل على الحريق أمر صعب؛ فهي سريعة الزوال في الطبيعة. القطعة الصغيرة من الطين المحروق في بارناما لم تشهد نارًا منذ نصف مليون سنة.
يشتبه العلماء في أن البشر الأوائل الذين استأنسوا النار كانوا واسعي الحيلة في استغلال حرائق الغابات. على سبيل المثال، ربما التقط بعض الإنسان المنتصب غصنًا محترقًا في البرية، ثم حمله بعناية إلى المخيم لطهي الطعام على النار أو لدرء الحيوانات المفترسة في الليل. تعود الأدلة على هذا الاستخدام للنار إلى أكثر من مليون سنة مضت، وقد تم العثور عليها في كينيا وجنوب أفريقيا.
لكن إشعال النار حسب الرغبة، في الوقت المناسب، هو أمر أكثر صعوبة بكثير – ولكنه أيضًا أكثر أهمية للحياة إذا كنت تريد طهي الطعام اليوم دون الحاجة إلى الانتظار حتى تشعل صاعقة شجيرة عن طريق الخطأ. ربما بدأ إنسان النياندرتال في أوروبا في استخدام النار منذ حوالي 400 ألف عام، استنادًا إلى بقايا المواقد في فرنسا والبرتغال وإسبانيا وإنجلترا. لكن لم يعثر علماء الآثار في أي من هذه المواقع على علامات تشير إلى أن إنسان النياندرتال أشعل الحرائق بنفسه. بدأت حالات مماثلة تحدث قبل 50 ألف سنة فقط، استنادا إلى شظايا البيريت والفؤوس اليدوية – أدوات السيليكون القديمة – التي عثر عليها في فرنسا.
أدى الاكتشاف المكتشف في بارناما إلى تمديد هذا الإطار الزمني بشكل كبير؛ يمكنك بالتأكيد العثور على المزيد من الأدلة القديمة التي تشير إلى أن إنسان النياندرتال أتقن استخدام النار في وقت أبكر مما نعتقد.
تشير بعض الأدلة إلى أنه كان من المفترض أن يكون الحريق قد بدأ. أولًا، تترك حرائق الغابات آثارًا في الرواسب يمكن أن تستمر لآلاف السنين – جزيئات مجهرية من الفحم والرماد. لكن الحريق في بارناما اندلع عندما لم تكن المنطقة بعد في منتصف موسم حرائق الغابات. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأدلة الكيميائية، مثل وجود جزيئات الكربون الثقيلة في الصخور أسفل المدفأة، إلى أن الحريق كان بسبب حريق في المنزل.
لكن بالطبع أهم تأكيد لهذه النظرية هو البيريت. ولا يمكن القول بأنه معدن طبيعي شائع في منطقة البرناما؛ كان على إنسان النياندرتال أن يسافر مسافة 12 كيلومترًا على الأقل إلى الجنوب الشرقي للعثور عليه. وبينما يستطيع عدد قليل من الناس مقاومة إغراء التقاط حصاة لامعة، فإن قطع البيريت قد يكون لها استخدامات عملية أكثر.